وعادت العشرون ناقة !!

لا أدري لماذا تبدو أحاديث المطارات عابرةً كما الراحلين الذين يتشابهون دائماً .. على حد تعبير صديقنا الشاعر سليمان الطويهر .
كنت في مطار جدة منتظراً رحلةً للوطن حين جلس بجانبي تونسي متعب من سنين السفر أو سفر السنين , في الخمسين إلا قليل .. وحين تقف على شرفة الأربعين تتعلم الصمت بالضرورة لأن أكثر الكلام يكون قد مر عليك , والأكثر ستقوله للآخرين حين تتقاعد , وحينها لن يضرك الصمت بين حديثين !
بدأنا الحديث عن لطفي بوشناق وراضي الجعايدي , ومالبثنا غير قليل حتى بدأ يحدثني عن الثقافة والفنون في تونس خصوصاً وفي المغرب العربي عموماً , ثم بدأ يثني على طريقته الصوفية التي ينتمي إليها .. وفجأةً وجدتنا على باب سيف الدولة والرجل ينشد لأبي الطيب ويقول:
وإذا غلا شيء علي تركته فيكون أرخص ما يكون إذا غلا !!
وأقبل علي بكل جوارحه يحدثني حديث العارفين بفوائد الاستغناء , وأنه الغنى الحقيقي , وكنت أضحك في سري لأني كنت قد أشبعت هذا البيت نقاشاً مع صديقي يوسف عواض قبل عام , وخلصنا إلى أنها إحدى أشهر حيل الفقراء للإنتصار في سباق الحياة المدنية العنيفة ..
فالذي لا يستطيع شراء سيارة مثل ( الحوت ) يقبل ب (كامري) بالأقساط من عبداللطيف جميل ويخرج من الوكالة مردداً ::
وإذا غلا شيء علي تركته فيكون أرخص ما يكون إذا غلا !!
وبذلك يصبح الشعر أفيون الشعوب !!!
قبل الوداع سألته عن مهنته التي كان يعيش منها في فرنسا فأخبرني بأنه كان عازف كمان لمدة ثلاثين عاماً حتى فقد السمع بأذنه اليسرى , ورأيت في ذلك علمانية تونسية محترمةً جدا ..
فهو قد استغنى عن سمع أذنه اليسرى والتي أهلكتها الكمنحة في الغربة .. ليمد رجليه في خريف العمر على بوابة القيروان مذكراً الناس بفضيلة الاستغناء والترك !
عند بوابة الإقلاع حضنني وهمست في أذنه ::
الحمدلله الذي خلقك فناناً , فمثل هذه الأفكار لا يقتنع بها سوى الفنانون .. والمتصوفة المساكين !
حين وصلت إلى قريتنا يوم عرفة , علمت أن هذه القرية التي ودعتها منذ خمسة وعشرين عاماً ستريحني من قوانين المدن التي جئت هرباً منها إليها ..
صباح العيد خرج الناس من كل فج ليصلوا خارج القرية مجتمعين , قام شاب ثلاثيني فصيح اللسان - خريج الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة – وخطب في الناس مذكراً إياهم بنعمة المسجد الذي بني قبل عامين .. ونعمة الأمطار التي من الله بها على العباد بعد جفاف دام أربعة سنوات كن الأسوأ في تاريخ المنطقة بأكملها , وأسهب في الخدمات التي يقدمها المسجد لأهالي القرية من تدريس القران فيه وتحفيظ الصغار متن ابن أبي شجاع في الفقه الشافعي , وكيف أنه غدا مأوى للفقراء ومكانا للتشاور أيام النوازل والحاجات .. وأكد على أنه أشبه مايكون بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان مكان انطلاق كل الأنوار على المدينة .
ثم ختم بقوله :: إن لجنة المسجد قررت أن تجمع صدقات هذا العيد لإنارة المسجد , وإعادة صبغه وتجديد أرضيته وفرشه , ويلزم لذلك 65 رأساً من الخرفان والفائض سيكون لفقراء القرية , ثم استطرد قائلاً :: ولعلي أبدأ بنفسي فأسابقكم إلى الخير .. فمني ناقتي البيضاء والتي أرادها الحاج محمد إسماعيل بألف دولار , ثم شرع بالدعاء :: اللهم اجعلها خالصةً لوجهك الكريم , ومن ثم توجه بالسؤال لشيخ في طرف المصلى :: أخبرني عن جمالك الستين يا حاج أحمد صالح ؟؟
فوقف الشيخ متكئاً على عصاه وإن شئت فقل على سنين عمره المديدة , وبدأ قائلاً :: كنتم تعلمون جميعاً أنه سرقت مني عشرون ناقة قبل ثلاثة أعوام , وأننا بحثنا عنها في كل مكان ولم نجدها .. قاطعه الخطيب مكملاً :: وعندما امتنع القطر , وجفت الأرض , وكاد الناس يهلكون من الجوع قبل عام تصدق الحاج أحمد صالح بناقتين لفقراء القرية بينما بخل كثيرون من أصحاب المئين والألوف .. وتعلمون جميعاً ماذا حدث قبل رمضان هذا العام بأسبوعين !
لقد عادت العشرون ناقة ,, بنفس وسمها ورسمها , لا أحد يعلم أين كانت ولا كيف دخلت حدود قبيلتنا لوحدها , لكن الجميع يعلمون أن سعرها في ذلك الوقت كان لايجاوز ال 200 دولار أمريكي , واليوم لا أحد يساوم على ناقة عرجاء دون أن يكون في جيبه 500 دولار على الأقل , والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم .
وقبل أن يجلس الحاج أحمد صالح قال بصوته الجهوري :: ولبعلم الله أني تبرعت بأجمل نلك العشرين لمسجدنا هذا العام , فدعى له الشيخ والمصلون .
ثم رفع شيخ ثالث يده وقال : ومني ناقة أيضاً , فدعى له الشيخ والحاضرون , وقام رابع فقال : تعلمون عن ابنتي المريضة منذ سنين وإني لأرجو لها الشفاء بدعاء الصالحين والصالحات ومني ناقة أيضاً , وقام خامس وسادس حتى اكتملت عشر جمال من أجود جمال القبيلة .
وبدأ الإمام باستقبال صدقات الغنم فجاوز السبعين رأساً , ثم التفت على المصليات فذكرهن بأن أكثر أهل النار النساء فتصدقن من حليكن يا إماء الله .
وكان أن جمع منهن ذهباً ومالاً وفيراً طرح فيه الرحمن الخير والبركة .
عصر ذلك اليوم جلست وحدي على أعتاب القرية , تمنيت أن يكون بقربي الجنوبي الجميل أحمد المنعي فوحده من كان سيدرك أن أبالطيب كان متصوفاً على طريقة شيوخ قريتنا النائية , ولم يكن أبداً عازف كمنجة من تونس الخضراء !!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق