
الشيء الوحيد الذي لن تعلم به زوجتي حتى بعد إنجاب طفلنا الثالث هو أن السفر إلى كاراكاس بلا عودة سيبقى حلمي الكبير إذا لم تتحرر القدس في عام 2035م ..
ولا شيء يجبرني على البوح لكم بسبب اختياري لهذه المدينة الرائعة دون مثيلاتها من عواصم أمريكا اللاتينية النابضة بالحياة ,, يكفي أن تعرفوا أنها تسمح لنا بزيارتها من دون تأشيرة سفر بخلاف مواطني أمريكا العظمى , ولأنها العاصمة الوحيدة في العالم التي يتعذر فيها تصوير أي حلقة تلفزيونية مباشرة لقناة الجزيرة وذلك لطبيعة الملابس الثورية التي يقاوم بها الفنزويليون درجات الرطوبة العالية وثالثاً :: لأنه يوجد صراف للراجحي هناك !
لكن زلزالاً أصاب شرق فنزويلا الأسبوع الماضي أجبرني على إعادة ترتيب أحلامي من جديد !!
فبالطبع لن تكون نهاية جميلة أن تترك كل شيء خلفك ,, لتصبح رقماً في زلزال دام لنصف دقيقة وحصد الآلاف معه ,,
وبالمقابل أخبروني أيها الأحياء ::
هل بإمكان أحدنا أن يختار النهاية التي تليق به ؟؟!
إنني أحسد الرجال الذين يجلسون على شرفة الأربعين هذه الأيام ,, ففي السبعينات كانت هناك الكثير من حركات التحرير في العالم , وكان الناس يحترمون القيم والأفكار أكثر من اليوم .
وفي الثمانينات كان الآلاف من العرب يذهبون للقتال في كل مكان , كان الشاب يودع والديه وهو يعلم بأنه قد لا يعود , ويحضنهم وهو يرى طيفه عائداً من القتال مبتور الساق أو مقطوع اليد مقابل فكرة اقتنع بها أو قضية مشى إليها برجليه , لكنه كان يوقن بأن الحياة بلا قضية تضحي من أجلها .. هي نصف حياة ..
على أبواب القرن الحادي والعشرين يجب أن نعترف بأن أيامنا غدت كئيبةً مملةً رتيبةً لا ينقصها شيء , إننا ملوثون بآلاف المعلومات التي لا نحتاجها , ومجبرون على اقتناء عديد الأجهزة فقط لنساير الآخرين , ومضطرون لأن نبقى طول اليوم على المسنجر أو الفيس بوك on line حتى لا يفتقدنا الآخرون , أولئك الذين قد لا يعرفون وجوهنا حتى في صف طويل أمام عيادة طبيب الأسنان !
إننا نستيقظ على آلاف القتلى في هاييتي بينما نتشبث بالحياة أكثر , الإحصاءات الأخيرة تتحدث عن سبعين ألفاً قضوا في دقيقة واحدة , والرئيس يؤكد على أن القتلى لن يكونوا بأقل من مائتي ألف في كل الأحوال ..
الولايات المتحدة تسيطر على المطار في الحال , والقصير ساركوزي يشتكي لمجلس الأمن مطالباً بتوضيح طبيعة عمل الولايات المتحدة الأمريكية في هاييتي , هل جاءت لتنقذ المنكوبين أم جاءت لتثبت أقدامها وتحتل هاييتي ,, لو كنت هناك لسألته عن طبيعة عمل جنوده أيضاً في أفغانستان .. وحتى في جيبوتي التي تعتاش على قاعدته الحربية هناك !
من المضحك أن تصبح كل الأشياء في يد أمريكا .. حتى الطبيعة التي نحبها .. تغضب دقيقةً واحدة .. لتهدي أمريكا موقعاً استراتيجياً جديداً لعشرات السنين القادمة!
تذكرت حسرة الرجل النبيل سعود الفيصل وهو يصرح قبل أسابيع بأنه لم ير شيئاً يبعث على التفاؤل منذ ثلاثة عقود , ويتساءل عن راحة البال وهو يشاهد الفلسطينيين على المعابر ويرى إسرائيل تعبث كالطفل المدلل في المنطقة .
يؤلمني كرجل مسلم أن أستيقظ كل صباح لأقرأ على شريط الأخبار أن أمريكا ضربت وزيرستان للمرة السادسة بطائرة بلا طيار , وأنها استباحت أرض اليمن بنفس الطائرات لتضرب "فلول القاعدة" على حد تعبير الأخ الرئيس اليمني , وأمريكا المغلوبة على أمرها لا تعلم أن الأخ الرئيس يعطيها أسماء رجال " الحراك الجنوبي" ويهدد كل من يتحرك ضده ويرفض توريثه للحكم بأن يضع اسمه على لائحة الفلول أعلاه .. لتقصفه طائرات العم سام .. وبدون طيار .. حتى يضيع دمه في الجو .. فتحتار القبائل العربية في ثأر رجالها !!!
وعلى ذكر القبائل العربية أعجبني كثيراً حديث الفتاة الايرلندية المنضمة لقافلة شريان الحياة وهي تتحدث للرائع غسان بن جدو عن الفرق بين النظام المصري العميل والشعب المصري العظيم ..
تقول :: لقد ضربنا رجال الأمن المصري طوال اليوم ,, بينما كان أهل العريش يأتون لتقديم الاعتذار والطعام لنا طول المساء .. لقد أكرمونا .. وتعاطفوا كثيراً معنا .
لقد أنجز المصريون 6 كيلومترات من " الجدار الواطي" كما سماه حمدي قنديل في أسبوع واحد , بينما كان أهل غزة الشرفاء يجمعون التبرعات الرمزية لضحايا زلزال هاييتي .
الفلسطينيون شعب ساخر من الحياة برمتها , إنهم يواجهون الرصاص بصدور عارية وسواعد لا تمتلك غير حجارة الرصيف المكسور .
هاهم يسخرون من الحصار العربي الجبان بطريقتهم :: يقدمون أجود أكياس الطحين المهرب من الأنفاق لمندوب الأمم المتحدة في غزة والذي وعدهم بأن تصل إلى الضحايا هناك .. إنهم يمشون في - جنازة الرجل الذي لم يعرفوه – كما قال أخوهم محمود درويش !
سيخطب إمام مسجدنا الجمعة القادم عن عقوبة الزلزال التي أنزلها الجبار بأهل هاييتي ,, وسيطبع بعض المعلومات من موقع – ويكبيديا – ليقنع جموع المصلين بأنها لا تعدو أن تكون مرفأً للسكارى والملحدين الذين لا يرجون لله وقارا , وأن الزلزال ك – سيل جدة – شيء من غضب الرحمن وسخطه على فجور العباد , ويتناسى –حفظه الله- أن أمريكا التي تنقذ الهايتيين الآن تحتل العراق وأفغانستان وتحوم في الجو بلا طيار لتقتنصه لو شاءت بعد الصلاة مباشرة..
بينما تنعم هي بالأمن والاستقرار , ويسافر مواطنوها كالشعر الغجري المجنون في كل الدنيا على حد تعبير نزار قباني !
إن الابتلاء بالأمن والأمان والتوحيد والجلوس على نفط الدنيا – ولله الحمد – هو ابتلاء يوازي فقر أفريقيا وكوارث أمريكا الجنوبية وأمراض الهند وازدحام الصين.
إن الأم التي تبكي في هاييتي لأن طفلها تحت الأنقاض تخضع لابتلاء يوازي الابتلاء الذي تخضع له أم قطرية تتبضع في الشانزلزيه , وتفكر في إرسال ابنتها للدراسة في أكسفورد على حساب الدولة !
صديقي الذي يعمل نقيباً في سلاح الجو اتصل بي قبل أسبوع ليخبرني عن تفاصيل حلمه الأخير :: لقد أعطاه الأمير أرضاً على كورنيش الخبر تساوي قيمتها ثلاثة ملايين ريال سعودي .
نصحته بأن يكون واقعياً على الأقل في حلمه , فحتى الأمراء لم تعد عطاياهم كما كانت .
وأن يكون حراً – على الأقل – في أحلامه , فلا يليق برجل يقضي نصف عمره في السماء أن يظل مقيداً أسيراً للهبات حتى في منامه !!
ضحك بصوته الجهوري وقال لي :: أبوالدراري , هل ترفض نصف قيمة الأرض إذا تحقق حلمي بعد أن نهزم الحوثيين في الجنوب ؟
قلت له :: أبداً ,, ولكن بربك أرسلها على فرع الراجحي .. في كاراكاس !

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق